ابن كثير

309

البداية والنهاية

أن عري ليضرب ، ولكن ترك واشتهر أنه قد عين عوضه من الديار المصرية ، انتهى . موت فياض بن مهنا ورد الخبر بذلك يوم السبت الثامن عشر منه ، فاستبشر بذلك كثير من الناس ، وأرسل إلى السلطان مبشرين بذلك ، لأنه كان قد خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ، فمات موتة جاهلية بأرض الشقاق والنفاق ، وقد ذكرت عن هذا أشياء صدرت عنه من ظلم الناس ، والافطار في شهر رمضان بلا عذر وأمره أصحابه وذويه بذلك في هذا الشهر الماضي ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، جاوز السبعين انتهى . والله أعلم . كائنة عجيبة جدا هي المعلم سنجر مملوك بن هلال في اليوم الرابع والعشرين من ربيع الآخر أطلق المعلم الهلالي بعد أن استوفوا منه تكميل ستمائة ألف درهم ، فبات في منزله عند باب النطافيين سرورا بالخلاص ، ولما أصبح ذهب إلى الحمام وقد ورد البرئى من جهة السلطان من الديار المصرية بالاحتياط على أمواله وحواصله ، فأقبلت الحجبة ونقباء النقبة والأعوان من كل مكان ، فقصدوا داره فاحتاطوا بها وعليها بما فيها ، ورسم عليه وعلى ولديه ، وأخرجت نساؤه من المنزل في حالة صعبة ، وفتشوا النساء وانتزعوا عنهن الحلي والجواهر والنفائس ، واجتمعت العامة والغوغاء ، وحضر بعض القضاة ومعه الشهود بضبط الأموال والحجج والرهون ، وأحضروا المعلم ليستعلموا منه جلية ذلك ، فوجدوا من حاصل الفضة أول يوم ثلاثمائة ألف وسبعين ألفا ، ثم صناديق أخرى لم تفتح ، وحواصل لم يصلوا إليها لضيق الوقت ثم أصبحوا يوم الأحد في مثل ذلك ، وقد بات الحرس على الأبواب والأسطحة لئلا يعدى عليها في الليل وبات هو وأولاده بالقلعة المنصورة محتفظا عليهم ، وقد رق له كثير من الناس لما أصابه من المصيبة العظيمة بعد التي قبلها سريعا . وفي أواخر هذا الشهر توفي الأمير ناصر الدين محمد بن الدوادار السكري ، كان ذا مكانة عند أستاذه ، ومنزلة عالية ، ونال من السعادة في وظيفته أقصاها ، ثم قلب الله قلب أستاذه عليه فضربه وصادره وعزله وسجنه ، ونزل قدره عند الناس ، وآل به الحال إلى أن كان يقف على أتباعه بفرسه ويشتري منهم ويحاككهم ، ويحمل حاجته معه في سرجه ، وصار مثلة بين الناس ، بعد أن كان في غاية ما يكون فيه الدويدارية من العز والجاه والمال والرفعة في الدنيا ، وحق على الله تعالى أن لا يرفع شيئا من أمر الدنيا إلا وضعه . وفي صبيحة يوم الأحد سابع عشره أفرج عن المعلم الهلالي وعن ولديه ، وكانوا معتقلين بالقلعة المنصورة ، وسلمت إليهم دورهم وحواصلهم ، ولكن أخذ ما كان حاصلا في داره ، وهو